ها أنا أمر من هذا المكان بعد منتصف الليل. بعدما انتهيت من تحقيق رغبات و طلبات لا متناهية للجنس الأصفر و الأسمر.
شرطيين مرا أمامي، يظنان أنني كنت في سهرة مرفوقة بكل أنواع الشراب النافع و الغير النافع و أشهى الشفاه و أطول أير ... لو يعلموا !
عجبا، أول مرة أنتبه أن هنا بعد محل بيع الخبز يوجد زقاق نهايته بعد ثلاثة أبواب.. يا مكان يقولون أن للفقراء كل شيئ.. لم يكذبوا !
صح، لم يكن قولهم افتراء.
للفقراء التعب و الكدح و الرب الذي يختزل فيه كل شيئ.
الميسورين كلهم يتراقصون الآن في أفخر الحانات و أبهى البيوت يشربون أجود أنواع الشراب النافع و ألذ الأطباق بصحبتهم حبيباتهم وأصحابهم وذويهم ...
و الفقراء أنت تعلم عنهم كل شيئ. لا جدوى من التكرار يا مكان طبعا غدا كلهم سيتساوون. كلهم سيغتسلون، منهم من سيغتسل من جنابة عاهرة فقيرة مثله و أخرون من خمر رديئ حد الغثيان و الأغنياء طبعا لا يسمونها جنابة حيث أنهم تعودوا الإغتسال كل يوم مرة أو مرتين. كلهم ستراهم يتسابقون إلى الصفوف الأمامية لنيل الثواب
عهر!
كل هذا عهر يا مكان...
أنظر الى صاحب هذا الدكان إنها الواحدة صباحا وهو لا يزال ينظف دكانه و يجهزه للغد. و انظر إلى ذاك إنه لا زال منتصب فوق كرسيه النصف مهترئ ينتظر زبونا، فقيرا رث الثياب و الحالة مثله، انتهى للتو من العمل كي يمر يفرح معدته التي لم تعرف قط معنى الشبع أو التخمة...
ها أنا ألحق برجلي أمن و رجل ثالث ذو زي أخضر لا أعرف ماذا يسمونه، ربما "مردة" .. حقيقة لا أدري، بحكم أنني أكره المخزن نسيت حتى أسماء وظيفتهم و مناصبهم... .
"طاكسي لو سمحت محطة القطار"
"معذرة لست ذاهبا في ذاك الاتجاه"
امرأة مارس عليها زمن هذا البلد عهره و أرمى بها في شوارع المدينة، جعلت من نفسها مكان آمن للقمل و أبعدت الاوساخ عن بطش الماء و النظافة..
طاكسي اخر يقترب
.... نزلت من الطاكسي و لعنت شيطان المسلمين كي أفك عقدة حزينة مرسومة على وجهي و أعوضها بابتسامة. دون تفكير مسبق هنأت رجلي أمن "بوليس" أمامي بابتسامة تربط بين الأذنين و انصرفت دون أن ألتفت و لم يردوا. مما يجعلني أكرههم أكثر بدءا من "معلمهم.
" يا أولاد العهر الأخلاقي تظنوا لو ابتسمتم في وجه المواطنين ستفقدون قدسيتكم و هيبتكم؟ اذن تبا لهذه القداسة و سحقا لهذه الهبة.
وداعا أيتها الأمكنة .. اعذرني لن أشتاق إليك، فقد عانيت بجرعات زائدة و أظن انه من العار أن تحن و تشتاق للألم و الحزن و من كان وسيطا في كل تلك المشاهد...
ولربما الأمكنة هي اللي تمشينا و تمررنا. كصبي يكتشف الكتب لأول مرة و يتصفحها بغرابة مبالغ فيها.. عيناه تلمعان ! رأيت ؟
أو كعجوز أضناه الزمن، يمرر جريدة مخزنية عفنة ليقتل بها الضجر و الملل في انتظار أذان صلاة العصر. (صل و دعك من شيخ الزاوية يا عمو).
لربما فعلا الأمكنة هي التي تمشينا و هذا الزمان هو من يعيشنا !!!
كم آذيتك يا زمان و كم مللت مرورك..
يا زمان متى سأرحل عنك ؟أو ترحل عني ؟ المهم أحدنا يرحل عن الثاني.
كل الناس كانت تنتظر منتصف الليل، كأنها تنتظر نزول الرب، أما أنا كنت أخمن في ذاك الغياب... هل الإعتراف يا زمان خطيئة كبرى و زلة لا تغفر ؟ لا يهمني عذاب اخر فأكبر عذاب هو هذا الغياب
ا
ل
م
و
ج
ع
سلام عليك يا عالم إلى يوم هم فيه لا يبعثون.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق